الشيخ محمد الصادقي الطهراني
604
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وطائل النصب والعذاب إلّا خاسئا وهو حسير ! أجل ، وليكن أيوب قبسا وهّاجا في الإيمان ، ومثلا عاليا وحيدا في الصبر واليقين ، حيث ينكص الشيطان على أعقابه ويجمع شياطينه المردة ، ويوحي لهم أن اللّه ليس ليصدهم عن أية أذى يريدونها بأيوب ، فقالوا : نجرّده عن أهله وماله وصحة حاله ليعود مجردا عن إيمانه حيث تشغله بليته باله هنا يريد اللّه بذلك السماح امتحان عبده ، ويريد الشيطان امتهانه « وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » ولقد سلّط الشيطان على قصوره فجعلها قبورا ، وعلّ على ولده أيضا فبدّلهم ميتا ، وعلى مواشيه وأمواله ، وعلى بدنه ، فقلبه في حظوظه المادية ظهر بطن لا يبقي له شيئا ولا يذر إلّا أطاح به ودمّر . يريد الشيطان ليضطر عبد اللّه أيوب إلى اختراق ثوب الاصطبار إذا تهدمت عليه أركان حياته ، في ماله وأولاده ودوره وحاله ، ويريد اللّه ليجعل من أيوب عبدا صبورا أوّابا شكورا ، تصبح قصته ذكرى للعابدين وعبرة للمصابين ، وعزاء للمكروبين ، وسلوى للمرضى والزمنى والمجروحين . مرت الأيام ، وتحدرت الأعوام وأيوب لا يزال على شكاته حتى هزل جسمه وذهب لحمه ، وأصبح منقوف الوجه شاحب اللون ، لا يقر على فراشه من الآلام . فرّ عنه الصديق ، وجانبه الرفيق ، ورغبت عنه شيعته ومن حوله إلّا زوجه الرؤوف العطوف الحنون حيث تحننت عليه ما وسع قلبها الحنان ، وعنيت به ما استطاعت إليه سبيلًا ، ورفّت عليه بجناحيها ، وبسطت له أكناف قلبها ، وما شكت إلّا هموما تساورها من آلامه ، ومخاوف تتحذرها على حياته ، ولكنها ظلت أيام مرضه حامدة راضية ، مؤمنة محتسبة . لهذا أعيى أمر أيوب عبد اللّه إبليس عدو اللّه ، ولم يجد إليه سبيلًا إلّا من قبل زوجه ، فانطلق إليها وهي في بعض شأنها مع أيوب ، فتمثل لها رجلا وقال : أين زوجك ؟ قالت : هوذا عميدا وقيذا ، يتضور من الحمى ، ويتقلب مما ألح عليه من الداء ، فلا هو حي ولا هو